معبر مائي متجه إلى منطقة زراعية.

خيمياء سعوديّة: تحويل الماء للنفط والنفط للماء

إنّ وِفرة النفط في السعوديّة أمرٌ مُذهِل، فهي تمتلك احتياطيًا يقدّر بـ 250 مليار برميل، أي خُمس احتياطيّ النفط العالميّ، مما يُكسِبها نفوذًا مُعتبرًا في المسرح الدولي. داخليًا أمّن النفط الثروة والسيادة السياسيّة للأسرة الحاكِمة وساعد أيضًا على ترسيخ المنظومة السياسية للدولة، مُزوّدًا الوقود للاستبداد وضامِنًا بشتى الطرق بقاءَ مواطني المملكة كمجرّد «رعايا». بُرِّرَ إقصاء المواطنين من السّاحة السياسيّة كجزء من صفقة تتدحرج فيها الثروة النفطية تنازليًا في مقابل الإذعان، وعمِلت المحسوبيّة كبديلٍ للحقوق السياسيّة والمدنيّة. هذه الصفقة نجحت كما هو واضح، ولكن رغم نجاحها لم تَسْلَم الأسرة الحاكمة من النقدِ اللاذِع حتى أثناء طفرة النفط في السبعينات، وَواجَهت المعارضة العنيفة أيضًا في بعض الحالات. وعلى الرغم من هذه المعارضة غلب على البلاد قناعةُ المواطنين السعوديّين، المحرومين سياسيًا، بالراحة وبالاستهلاك بتمويلٍ نفطي، لثقتهم من أنّ الدولة ستوفّر لهم الرفاهية الاجتماعية والاقتصادية. تبدو قوّة النفط أحيانًا غير مقيّدة أبدًا، كأنّها محرّكٌ لماكِنة ثرواتٍ مهولة قادِرة على أيّ شيء، على الأقل ما دامت طالما الصفقة السياسيّة باقية.
لم تتجلّى هذه القوّة في أي مكان بقدر ما تجلّت في بحثِ السعوديّة عن مصادر المياه العذبة، فالأراضي السعوديّة لا تحتوي على البحيرات أو الأنهار الطبيعيّة، وهطول الأمطار فيها أندر من أن يساعد على نحوٍ مستدام في هذه البيئة القاحلة. استُـغِلَّت مصادرُ المياه الجوفيّة العتيقة واتُّكِل عليها بكثافة منذ الخمسينات، وعلى الأقل منذ أوائل السبعينات كانت الجهودُ الهادِفة لتوفير وإدارة وحتّى خلق المياه العذبة—بتكلفة رخيصة—عُنصرًا مهمًّا في محاولة المملكة توزيع ثورتِها النفطية الواسعة. استُخدِمت الثروة النفطية في الأعمال الضخمة من الهندسة وتطوير البنية التحتيّة—من ضمنها تصميم وبناء السدود وأنظمة إدارة المياه والريّ—لبناء دولة تقنيّة حديثة، أحد أهدافها الرئيسّة هو توفير المياه للاستخدام المنزلي والزراعي والصناعي. أنهت شركة تابِعة لـ كوكا كولا في عام 1970 أوّل محطّة ضخمة لتحلية المياه قُربَ جدّة على ساحل البحر الأحمر، وهي مُنشأة عمِلت على تحويل مياه البحر لمياهٍ عذبة، مع وفرةٍ من النفط لتمويل عملِ المحطّة والإيرادات المتزايدة من بيع النفط لدعم تكلفة تشغيلِها، إذ كانت السعوديّة تعملُ مجازيًا على تحويل النفط لماء على مرّ أربعة عقودٍ مضت. واليوم هنالك أكثر من 30 محطّة تحلية نشِطة، كلُّ واحدةٍ منها يكلف بِناؤها وتشغيلها عشرات مليارات الدولارات.
بسبب تزايد أسعار المواد الغذائيّة والقلقٍ حول نضوبِ المياه الجوفيّة خلال السنوات الأخيرة، بدأت السعوديّة بالبحث عن مصادر آمنة في الخارج من ماءٍ وأراضي خصبة. اشترت الحكومة مساحاتٍ شاسعة من الأراضي الزراعيّة في أنحاء مختلفة من العالم النامي، من ضمنها أماكِن في السودان وباكستان ومصر وإثيوبيا، دولٌ إمّا مزّقتها الحروب أو الفقر—أو كِلاهُما—وعددٌ من وجهات الاستثمار والتنمية هذه ليست مستقرة، مما يدعو للتساؤل حول مقدار الأمان الذي توفّره للحكومة السعودية.
تبدو النتيجة صنيعة نوعٍ جديدٍ من الإمبرياليّة، تبحث فيها الدول الغنيّة المُنتِجة للنفط عن أماكن خارج الحدود لتأمين الموارد الطبيعيّة الأجنبيّة، وتدعم بذلك وتبني شراكاتٍ مع أنظمة دموية مما يؤدي إلى الإخلال بالعلاقات الاجتماعيّة والاقتصاديّة في تلك البلدان عن طريق آليات السوق والاستحواذ القانوني على الأراضي. مثلما عمِل شحّ الموارد كذريعةٍ للتوسّع البريطاني الإمبراطوري في الشرق الأوسط في أوائل القرن العشرين والهيمنة الأمريكيّة بعد الحرب العالميّة الثانية، يقدَّم تأمين المياه كتبرير لفرض نفوذ السعوديّة في الخارج. إنّ تهمة الإمبرياليّة مُغرية جُزئيًا بسبب المفارقة الكبيرة لمنتجي نفطٍ يبدو عليهم أنّهم يمثلّونَ دور الإمبرياليين الجدد. ولكنّ سيكون من الأنسب أن نرى تصرّفات السعوديّة السياسيّة والاقتصاديّة كأمرٍ متماشٍ مع النيوليبراليّة في أواخر القرن العشرين؛ فعِوضًا عن الاستحواذ والتّحكم المباشر بالأراضي كما هو الأمر في النموذج الإمبرياليّ، استُخدِمَت الأسواق المفتوحة والمؤسسات الدوليّة للاستيلاء على الموارد وتشكيل المنظومات السياسيّة وترسيخ الهيمنة. استخدامُ هذه الآليّات يمكِّن السعوديّة من إنكار أيّ مسؤوليّة على التبِعات السياسيّة والماديّة التي تُنتِجها مغامراتها.
بينما يبدو أنّ بحثَ السعوديّة عن الموارد الأجنبيّة كإشارةٍ لنوعٍ جديدٍ من السلوك، فالمياه والزراعة كانت منذ زمنٍ طويل أمرًا مركزيًا للسلطة والإمبراطوريّة في السعوديّة. وإلقاءُ نظرةٍ على تاريخ الممارسات الزراعيّة والمائيّة المحليّة السعوديّة يلمّح لما تحمله المغامرات الحديثة من مصائِب لهذه الدول الواقِعة في الطَرَف المُستِلم للاستثمارات الزراعيّة السعوديّة.

التاريخ الإمبريالي للمياه

في أوائل القرن العشرين، لعب كلٌ من الماء والزراعة أدوارًا حيويّة في توسّع السعوديّة الإمبراطوري وتدعيم حكم الدولة السعوديّة الحديثة.
كانت القوى التي دفعت توسّع القوّة السعوديّة من وسط الجزيرة العربية في أوائل القرن العشرين معقّدة. وأكثرها شهرةً، ولربما أكثر ما بولِغ في تأثيرها، هو دورَ الدين وبالتحديد الوهابيّ؛ ذلك تفسير الإسلام الذي شجّع على الغزو وحضّ على العنف وخدم كمذهبٍ رسميّ للدولة السعوديّة. امتلك رجال الدّين سلطة اجتماعيّة وثقافيّة مُعتبرة، وساعدوا على ضبط الحيّز العام وإعارةِ مصداقيّةً لمزاعم العائلة الحاكمة للسلطة السياسيّة الدُنيويّة، ولكن السعوديّة لم تكن مجرّد قوّة إسلاميّة، بل كانت قوّةً بيئيّة أيضًا، فالاستحواذ على الموارد الطبيعية وتأسيسِ تحكمٍ مركزيّ على الطبيعة كان هدفًا سياسيًا رئيسيًا لدى السعوديّة على مدار القرن العشرين.
أُسِّسَت هذه الروابط بين البيئة والسلطة السياسيّة السعودية مبكرًا. ففي 1902، انتزع عبد العزيز ابن سعود حُكم الرياض من منافسٍ سياسيّ له وأسّس حكمه فيما سيصبح لاحقًا السعوديّة الحديثة. قامت القيادات السعوديّة مباشرةً تقريبًا بعد ترسيخ الحكم في الرياض على توسيع سلطتهم السياسيّة والمناطقيّة. كان مركزُ الجزيرة العربيّة بأراضيهِ القاحلةً والوعرة، وواحاتهِ الصغيرة القليلة، فقيرًا ومعزولًا، ولكن كانت هنالك غنائم طبيعيّة خصبة على سواحل الجزيرة العربيّة – بالتحديد الساحل الشرقيّ – الذي كان مقرّ كلٍ من واحتيّ الأحساء والقطيف الكبيرتين. هناك، تغذّت ملايين النخيل والحدائق الخضراء متراميّة الأطراف عن طريق بعض أكبر الموارد المائيّة في شبه الجزيرة. ولطمعهم في كلٍ من الموارد المائيّة والإيرادات الناتجة عن تجارة التمر، استحوذ آل سعود على المنطقة في 1913، مُحتلّين إيّاها بالقوة وملحقيها لكيانهم السياسيّ المتوسّع. اتّخذ السعوديّون حساباتٍ مشابهة في غزوهم لأرجاء الجزيرة، من ضمنها ساحل البحر الأحمر. وكثيرًا ما كانت المكاسَب هي الموارد الطبيعيّة الغنيّة المتوفّرة في الأراضي المُستهدفة، وهذه لها أهميّةٌ في التجارة وتعزيز السلطة.
فهِم الجيل الإمبراطوريّ للدولة أنّ إمكانيّتهم على تجنيد والحفاظ على ما أصبح جيش الدولة الإمبراطوري تعتمد بشدّة على قُدرتِهم على السيطرة على الموارد المائيّة المحدودة. فقدرة الحماسة الدينيّة في إقناع أولئك المنضمّين لقوى إخوان من طاع الله محدودةَ، هذه الميلشيا التي حملت سلاحها خِدمةً لحكّام وسط الجزيرة واستحوذت على جزءٍ كبيرٍ من الجزيرة وساعدت على صقلِ الإمبراطوريّة السعوديّة. حرّض آل سعود الإخوان عن طريقِ وعدهم بوصولٍ دائم وآمنٍ للماء، وهي غنيمة كبيرة بالنسبة للمحاربين الرحّالة. لم تكن إتاحةُ الماءِ هذه من غير تكلفة، إذ فرَضَ آل سعود على الإخوان تَركَ بدويّتهم واستقرارهم في مجتمعاتٍ زراعيّة سُمِّيت بالهجر. تبيّن لاحقًا أنّ الإخوانَ مزارعون لا مبالون وفشِلت الهجر في آخر الأمر في إبقائهم في مكانهم. على الرغم من ذلك، كان دافعُ آل سعود البيئيّ جليًا بالفعل. فقد حاولت القيادات في الرياض طوال القرن العشرين ما بين فترةٍ والأخرى توطينَ البدو عن طريق دفعِهم باستخدام الماء المُأمّن والزراعة المدعومة، فهؤلاء البدو قاموا – من خلال تحرّكاتهم – بمضايقةِ عمليّات البحث عن النفط ووضع سيادة الدولة ذاتها محلّ الشك.
أن تفرض السلطةُ على الماء والزراعة يعني أن تفرض سُلطةً على الفضاءات والأراضي، وكذلك على الأجساد البشريّة وعملِها وحركتها. مع أنّ الدولة كانت قاحلة والماءُ فيها نادرًا، فقد استندت الأغلبيّة الساحقة من مواطني السعوديّة في معيشتهم على أنواعَ مختلفة من الزراعة أو رعاية المواشي حتى أواخر السّتينات. مع بداية الثلاثينات، وصل تجّار نفطٍ وجيولوجيين ومهندسي مناجم وعلماء اجتماعٍ وشبكة من الخبراء للمملكة، مُوكّلين ظاهريًا بمسؤولية البحث وتوقّع مكامن واستخراج وتسويق النفط السعوديّ، ولكنّهم قاموا بذلك الأمر وزادوا عليه كثيرًا أيضًا. من شركة الزيت العربيّة الأمريكيّة (أرامكو) للخبراء الأفراد وشركات الاستشارة الخاصّة، وحتى المستثمرين الأمريكيّين والأوروبيّين والخبراء، كان جميعهم منخرطين بشدّة ليس فقط في تجارة النفط، وإنما أيضًا في البحث عن الماء والموارد الطبيعية الأخرى، وفي خلقِ المعرفة حول البيئة الطبيعية، ومكانتها في الاقتصادات المحليّة والإقليميّة، والحيوات الاجتماعيّة للمزارعين وفي خلق الأسواق الزراعيّة، وانخرطوا أيضًا – وهذه أكثرها أهميّة – في بناء المؤسسات التي ستصبح مسؤولة على إشراف وإدارة كلّ هذه الأمور. أصبح كلٌ من العلم والتكنولوجيا والعلوم الاجتماعية والخبرات والمعرفة للطبيعة أدواتٍ مهمّة للقوة ورموزًا للسلطة ووسائل من خلالها يتمّ إدراج ملايين الرعايا في فلكِ الدولة المركزيّة.

النفط والإدارة والتدمير

بجانب الاستحواذ على والتحكّم بالموارد المائيّة والزراعيّة، ضمّت مقتضيات السعوديّة البيئيّة أيضًا إدارةً وإعادةِ تشكيل الطبيعة لغاياتٍ سياسيّة. خافت القياداتُ السعوديّة تاريخيًا العواقِبَ السياسيّة الصعبة للاتّكال على الأطعمة المستوردة. ففي أواخِر السّبعينات؛ بدأت الحكومة بدعم عاليٍ لزراعة القمح – وهي زراعة تستهلك المياه بكثافة وهيَ غيرُ عقلانيّة من ناحية تقنيّة في هذه البيئة الصحراويّة، والتزم آل سعود أيضًا جدًا بمساعي الاكتفاء الذاتي الزراعي، لدرجة أنّه بحلول نهاية الثمانينات أصبحت الدولة سادس أكبر مصدّرٍ للقمح في العالم. في آخر المطاف، كانت المخاوف حول السيادة الغذائيّة مُبالغًا فيها، فقد كانت نُقطةَ نقاشٍ ولم تتجاوز كونها كذلك إلّا قليلا. فقد أدّى تدفّق البترودولارات الضخم للخزانة المركزيّة لإخماد المخاوِف حول الاستقلال الزراعي، وغيّرت الثروة النفطيّة عادات الاستهلاك الغذائيّة، والتي – مع تعدادٍ سكّانيٍّ متنامي – عنت أنّ السعوديين سيستمرّون بالاتّكال بشكلٍ أساسيّ على مصادر غذاءٍ أجنبيّة. في 2008، أعلنت الحكومة السعوديّة نهاية الدعم المُكلِف للقمح، وما دفع لذلك القرار – جزئيًا – هو أنّ قيادات البلاد لم يعد بإمكانها تبريرُ برنامجٍ ألحق بخسائر فادِحة في موارد المياه الجوفيّة الشحيحة مُسبقًا. ولكن، إن وضعنا مزاعِم الأمنِ الغذائيّ جانِبًا، فالمشاريع المائيّة والزراعية الطَموحة غالبًا ما خدمت غاياتٍ سياسيّة محلّية. فالماء والقمح أصبحا عنصرين رئيسيّين في نظام المحسوبيّة، فكانا هباتٍ أُعطيت كمكافأةٍ للنُخب السياسيّة والاجتماعيّة مقابل دعمها المُطلق للعائلة المالكة.
بالتالي، وطِوال حُكمِها، وظّفت القيادات السعوديّة بِناء شبكاتٍ تقنيّة وعلميّة ضخمة مُصمّمة لاستغلال وإعادة هندسة البيئة، وتضمّنت هذه الشبكة سدودًا ومراكِز بحثيّة ومحطّات تحلية؛ أحد أولاها وأهمّها كان مشروع الريّ والصرف في الأحساء، وهو مكوّنٌ من شبكة معقّدة من القنوات الإسمنتّية ومحطّات الضخ طولها يصل لـ 1500 ميل (ما يعادِل 2414.02 كم)، تمّ العملُ عليها عام 1971. غيّرَ بناء مشروع الريّ والصّرف وحوّل بيئة الواحة وأسلوب استخدام الماء فيها، وتسبّب المشروع في دمار البيئة المحلّية. وكانت آثارُه السياسيّة مدمّرةً أيضًا بالقدر نفسِه، فالمشروع ساعد على تغيير وتحويل السياسات في الواحة وفي أرجاء المنطقة الشرقيّة. كانت إخفاقات المشروع جزءً من نمطٍ مستمرّ لسوء الإدارة البيئيّة التي ساعدت على تشكيلِ جيلٍ جديد من السياساتِ الثوريّة في المنطقة الشرقيّة، وقصّة مشروع الريّ والصرف في الأحساء، وبالتحديد الأغراض السياسيّة الذي خدمها والتحوّلات السياسيّة التي ساعد انطلاقها، قد توحي لنا بالتأثير المُحتمل لمساعي المملكة لامتلاك أراضيٍ زراعيّة خصبة ومصادر مياه جديدة في الخارج.
علنيًا، بُرِّر بناء المشروع كردِّ فِعلٍ لما زعِم العلماء والعلماء الاجتماعيّون أنّه سِلسلة من الأزمات البيئيّة التي تهدّد أكبر واحات المملكة وأغناها بالثروة المائيّة. كانت حدائق الأحساء – بأكثر من مليونيّ نخلة – تتغذّى على أكبر مصادر البلاد المائيّة، إذ وفّرت عشرات الينابيع الواحة بالماء الذي عبر – تاريخيًا – من خلال نظام ريٍّ مفصّلٍ ومدروس. أثبت نظام الريّ القديم نجاحه بكفاءة مع الوقت حتّى أصبحت الواحة توفّر التمور ومنتجاته المتنوّعة لأسواقٍ مختلفة في أرجاء الخليج وجنوب آسيا. ولكنّ مصير الأحساء تحوّل مع اكتشاف مكامن نفطيّة لا تبعد عنها غربًا سوى بضعة أميال، وتحوّل مصيرها أيضًا مع وصول عمليّات أرامكو، بالخصوص منذ أواخر الأربعينات حين بدأت الشركة العملاقة بتصدير كميّات تجاريّة من النفط من احتياطاتِ المملكة الغنيّة، وكلّها موجودة في المنطقة الشرقيّة.
قامت أرامكو بأعمالٍ مكثّفة في الواحة، وكثيرٌ من عُمّالها – الذين عاملتهم الشركة بوحشيّة – كانوا من الأحساء أو من المجتمعات المُستقرّة الأخرى في المنطقة. وثّق العالِم السياسيّ روبرت فيتاليس كيف أنّه بدأً مِنَ الأربعينات وخلال أغلب الخمسينات وأوائل الستّينات، أثبت العمّال النفطيّون شراسَتهم ومقاومتهم لسياسات الشركة العنصريّة العرقيّة، من ضمنها الإسكان المفصول عرقيًا والتفرقة في الأجور على أساس العِرق. كانت الإضراباتُ والتوقّف عن العمل أمرًا شائعًا، واستجابت الشركة – مُتعاونةً مع السلطات السعوديّة المحليّة – بوحشيّة، إذ قامَت باعتقال وضرب وفصل العمّال.
استجابت أرامكو أيضًا عن طريق إطلاق جهودٍ تحقيقيّة مكثّفة في المجتمعات المحليّة، مُوفِدةً علماءً وعلماء اجتماع وغيرهم من الباحثين للحصول على معلوماتٍ حول الأمراض والطبيعة ومعها الحياة الاجتماعيّة والثقافيّة. وقامت أرامكو في 1950 أرامكو بإرسال فيديريكو ڤيدال، وهو عالم أنثروبولوجيا متدرّب في هارڤارد، للمشاركة في مهمّة في الأحساء هدفت للقضاء على الملاريا في المنطقة. وخلال تواجدِه أثناء برنامج مكافحة الملاريا، أجرى ڤيدال أبحاثًا اثنوغرافية وأنواعَ أخرى من الأبحاث على نطاقٍ واسع، مُفهرِسًا العلاقات الاجتماعيّة والهويّات الدينيّة والاقتصاد السياسي في الواحة، ومن ضمنها ملاحظات شامِلة على مصادر الأحساء المائيّة والممارسات الزراعيّة. شكّل بحثه والاستنتاجات التي استخلصها – بالتحديد الّتي قرّر أنّها تهديداتٌ بيئيّة وجوديّة تواجِهُ الواحة – القاعدة التي بُنيَ عليها برنامج الريّ والصرف بعد أكثر من عقدٍ من الزمان. جادَل ڤيدال أنّ الواحة تواجه عددًا من التحديّات المُحتملة والخطيرة.  مُحاطةً بكثبانٍ رمليّة واسعة من كلّ الجهات – والتي تتحرّك سنويًا عشرات الأقدام – كانت أكثر أراضي الواحة خصوبةً تتآكل. بينما زحفُ الصحراء كان يُنذر بالقلق، ما أقلقَ فيدال أكثر هو ما اعتقد أنّه إساءة إدارة مصادِر الأحساء المائيّة الثمينة.
قدّم ڤيدال مخزونًا من البيانات العلميّة-الاجتماعيّة والبيئيّة لأرامكو. وأشار بتفصيلٍ لتعقيداتِ الواحة، من ضمنها تعليقاتٌ شاملة حول طبيعتها المختلطة دينيًا. كانت الواحة مقسّمة تقريبًا بين سنّة وشيعة، مما يجعلها غير اعتياديّة إن لم تكن فريدةً مِن نوعها في السعوديّة. كثيرًا ما كانت الهرميّة والقوّة الاجتماعيّة تعكسُ الاختلافات الدينيّة، فكان أكثر ملّاك الأراضي سُلطةً هم من السنّة وأكثر أولئك الذين عمِلوا في حقول التمر من الشيعة، مع امتلاكِ جزءٍ منهم لمزارع أصغر. وأشار ڤيدال لكون تقنيّة الريّ الحالية تعكس هذه الهرميّة وهذه القوّة الاجتماعيّة. إذ يُضخّ الماء من الآبار الارتوازيّة تدفقت على الأرض عبر المزارع، بادئةً أولًا بالأراضي المملوكة مِن قِبل أكثر ملّاكِ الأراضي قوّة ومن ثمّ تصل للمزارع الصغيرة قبل أن تنصرف من الواحة. مع تدفّق مياه الريّ عبر الواحة، يمتصّ الماءُ تدريجيًا المِلح من التُربة، مما يقلّل من جودته ويؤدّي لحصادٍ أصغر من التمر للمزارعين الصغار.
اندهش باحِثُ أرامكو الأنثروبولوجي من ملوحة الماء المتزايدة، واندهش أيضًا من التبذير. ونظرًا لنُدرة الماء في بقيّة أرجاء المملكة، ولإيمانه بأنّ الأحساء قد تكون مصدر رزقٍ للسّعوديّة، كمكانٍ قد يوفّر تمورًا وغيرها من المحاصيل للسّوق الوطنيّة، دعى ڤيدال للاهتمام العاجل بالواحة، واقترح ڤيدال حلًا تقنيًا، حلًا يستدعي تقنياتِ ريٍّ مُحسّنة وإدارةً أفضل للماء. وعلى الرغم من تحليله الدقيق للطُرُق التي أثّرت من خلالها الاختلافات الاجتماعيّة توزيع المياه، فقد شدّد على كون العامِل الأكبر لنقصِ المياه في الواحة هو تقنيّات الريّ المعيبة أكثرَ من مسائِل ملكيّة الأراضي والطبقيّة والقوّة الاجتماعيّة.
دقّ ڤيدال ناقوس الخطر لأول مرّة عن مصير الأحساء لأرامكو في أوائل الخمسينات، ولكن تطلّب الأمر أكثر من عقدٍ من الزمن حتّى بدأت القيادات السعوديّة في الرياض بالتحرّك. حين بدأ المستشارون الغربيّون والتكنوقراطيون السعوديّون في وسط الستينات بالحديث والتخطيط للاكتفاء الذاتي الزراعي، كسَبت فِكرة التدّخل في الأحساء زخمًا. ولكن كان للقيادات السعوديّة أسبابٌ سياسيّة أيضًا تدفعها للتدخّل أكثر في الأحساء، فقد أقلقت القيادات هذه الإضراباتُ العمّالية في الخمسينات ودعم القوميّة العربيّة، ومع أنّ آل سعود احتلّوا الواحة عام 1913، تركت السلطات في الرياض حُكم المنطقة في أغلبِه لأرامكو والسلطات المحليّة. ولكنّ ذلك تغيّر في الستينات، حين سعى آل سعود لإبراز قوّتهم بطُرُقٍ ماديّة واقتصاديّة وإداريّة بغرضِ إدراج المواطنين في أرجاء شبه الجزيرة للفلك البيروقراطيّ للدولة المركزيّة. عمِل بحثُ ڤيدال والأهمّ من ذلك استنتاجاتُه كقاعدة أساسٍ للنشاطاتِ التي تلَت. بدأ بناء مشروع الريّ والصرف في الأحساء في أوساط الستينات، إذ باشرت شركات هندسة سويسريّة وغرب ألمانيّة في ذلك العمل. وصَرَفت الرياض مئات ملايين الدولارات في ذلك المشروع، مُسرِفةً جزءً من احتياطاتها النفطيّة الشاسعة للحفاظ على مصادر البلاد المائيّة والزراعيّة المحدودة. كان ذلك المشروع الذي دُشِّن في 1971 روعةً هندسيّة، بآلاف الأميال من القنوات الإسمنتيّة تتقاطعُ مساراتُها عبر الواحة.
مع أنّ مشروع الريّ والصرف بدى كإنجازٍ تقنيٍّ استثنائيٍ في بادئ الأمر، ثبت لاحقًا كونُه فشلًا بائسًا. في أقلّ من عقد واحد، جفّت أغلب المصادر المائيّة الغنيّة ومعها الحدائق النابضة بالحياة المُنتشرة في الواحة، إذ أصبحت تتناثرُ فيها قشورُ نخيلٍ ميّتة وقنواتٌ إسمنتيّة مُتهالِكة. ما الذي أدّى لإخفاء برنامج الريّ والصرف والانخفاض المفاجئ لموارد الواحة المائيّة؟ في آخر الأمر، كان تدّخل أرامكو وقلقها لمصير مياه الواحة أكثر من مجرّد نتيجة لقلقها حول ما حرّك الحيوات الاجتماعية والسياسيّة لعمّالها. يعتقد الكثيرون اليوم في الأحساء أنّ أرامكو وبعدها الدولة السعوديّة كان لها مآرِب أخرى للماء. يعتقد السكّان المحلّيون – وبالخصوص الناشطون الشيعة – أنّه بينما كمنت بعض مياه الواحة في آبارٍ قريبة للسطح، أغلبها أتى من طبقاتِ مياهٍ جوفيّة أعمق امتدّت في أرجاء المنطقة الشرقيّة، ومع بناء أرامكو لمُنشآتٍ ومجتمعات، فقد اعتمدت على بعضٍ من هذه المصادر المائيّة مُستنزفةً إيّاها بشكلٍ أسرع مما كان سيحصل لو لم تقم بذلك.
ومع مرور الوقت، بدأت أرامكو باستخدام الموارد المائيّة في المنطقة لضغط حقول النفط المحلّية، عن طريق ضخّ الماء لاستخراج النفط الخام. بدأت شركة الزيت في آخر المطاف بضخّ مياه الخليج عن طريق الأنابيب للمساعدة في هذه العمليّة، ولكن الكثيرين في الأحساء يفترضون أنّ الشركة استخدمت أولًا كثيرًا من المياه العذبة الجوفية القيّمة التي غذّت حقول النخل. بينما من الصعب إثبات هذه الادّعاءات، ففي الأحساء يعتقدُ الكثيرون بِصِدقها. بالإضافة لذلك، يعتبر الكثيرون من سكّان الأحساء أنّ الدولة السعوديّة تواطأت في ازدواجيّة أرامكو ويعتقدون أنّ برنامج الريّ والصرف لم يكن أكثر من ساترٍ غاليَ السعر لازدواجيّة أرامكو.
كانت الكُلفة الاجتماعيّة والاقتصادية على الأحسائيين كبيرة، إذ خسر المزارعون الصغار أراضيهم وعملهم، ولكون مشروع الريّ والصرف فشل في التصدّي للتفاوتات الاجتماعيّة التي وُجِدت في نظام الريّ القديم، فقد ضخّم الفجوات ما بين ملّاك الأراضي الصغار والكِبار؛ ولأن تلك التفواتات الاجتماعيّة تقابِلُ اختلافاتٍ دينيّة، أصبحت الطائفيّة بشكلٍ متزايد عنصرًا مهمًّا في الحياة السياسيّة المحلّية. وطوال السبعينات، كانت ثوريّة الشيعة في أرجاء المنطقة في تزايد. بينما أغلب النشاطات الثوريّة وقعت في واحة القطيف شمالَ الأحساء، انضمّ بعض الأحسائيين لصفوفِ ما أصبح حركةً سياسيّة ثوريّة شيعيّة. ساعد الدمار البيئيّ وخسارة المصادر والمائيّة واعتقادُ المجتمعات المحليّة أنّ أرامكو والسلطات السعوديّة سَرَقت النفط والماء على تغذية النشاط الثوري طوال الثمانينات.

تصديرُ الاضطراب

صراعُ السعوديّة الطويل للتحكّم بالبيئة وإعادة تكوينها أتى بتكلفةٍ مُعتبرة؛ سياسيًا، نجحت المقتضيات البيئيّة في المساعدة على تدعيم السلطة المركزيّة، ولكنّها أنتجت أيضًا مجموعةً من الإخفاقات المُكلِفة، فكثيرًا ما دمّرت أو استنزفت المصادر ذاتها التي فُرِضَ على النشاط العلميّ والتقنيّ حمايتُها، وليس برنامج الريّ والصرف في الأحساء إلّا مثالًا بارِزًا واحد، وهنالك أمثلةٌ أخرى. بينما بدى أنّ الأمن الغذائيّ والاكتفاء الذاتي الزراعي ونُدرة الموارد قد وفّرَت تبريرًا عقلانيًا للتدخّلات البيئيّة والمساعي الهندسيّة الضخمة، الواقع هو أنّ هذه المخاوف حول النُدرة والأمن خدمت أكثر كمشتّتٍ للانتباه عن الحسابات السياسيّة التي دخلت أيضًا في التخطيط والتصميم والهندسة.
بينما الاعتبارات التي دفعت توجّه السعوديّة نحو تأمين أراضيٍ زراعيّة ومصادر طبيعيّة في الخارج تختلف عن تِلك التي دفعت توحيد الإمبراطوريّة الأوليّ وعمليّة بناء الدولة، فهنالك أوجهُ شبهٍ مهمّة. التغلّب على النٌدرة والسعي نحو الأمن لا يزالان يعملان على تأطيرِ وتبريرِ مقتضياتِ السعوديّة الداخليّة، حتى مع تحوّلها لمقتضياتٍ عالميّة مع بدايات القرن العشرين، ولا تزال الثروة النفطيّة تمكّنها من السعي نحو وخلق مصادر طبيعيّة أخرى حتى. وتمكّن أيضًا عددًا من التكاليف السياسيّة والبيئيّة المُحتمَل أن تكون مدمّرة في هذه الأماكن التي تقوم فيها السعوديّة بنشاطاتها.
إنّ استثمار السعوديّة في الأنظمة الاستبداديّة العسكريّة سيقوّي هذه الأنظمة ويساعدها على تأمين أمراضِها السياسيّة الخاصة، ويهدّد أيضًا بإزاحة المزارعين في تلك البلدان أو ربطِهم بشبكاتِ استثماراتٍ عالميّة وخبراتٍ قد تُقصي احتياجاتهم الشخصيّة لصالح هذه القوى والشركات والدول الأجنبيّة. حين ننظر لها من هذه الناحية، فقد أصبحت السعوديّة كقوّةٍ نيوليبراليّة، راغِبة ومستعدّة لثني سياسات الدول والمجتمعات الفقيرة حسب رغبتها الاقتصاديّة. لربما أكثر الأمور مدعاة للقلق في ذلك – كما برهنت لنا المساعي لإعادة هندسة أكبر واحات المملكة وأكثرها خُضرة – هو أنّ الأراضي الزراعيّة الأجنبيّة والمياه والمصادر الطبيعيّة الأخرى – ولها أهميّة حيويّة وقيمة كبيرة في تلك الأماكن – سيُنظر لها بالتأكيد كممتلكاتٍ يمكن استنزافُها. فقد عمِلت هذه المصادر وستعمَل كمواقِع للاستثمار، وكلّ ذلك سيُبرّر باسم الأمن الغذائيّ للأجانِب السعوديين، يُستغنى عنها متى ما عادت غير مُربحة أو غير مرغوبة. نظرًا لاحتماليّة وقوع أضرارٍ بيئيّة مُعتبرة كما حصل في الأحساء، يجب أنّ نقلقِ من كون الحكومة السعوديّة لن تترك إلّا القليل حين تُنهي استثماراتِها في هذه الدول.
المصدر: مشروع الشرق الأوسط للأبحاث والمعلومات

Skip to content